محمد بن أبي بكر الرازي
108
حدائق الحقائق
فمعناه : اصبروا بنفوسكم على طاعة اللّه ، وصابروا بقلوبكم على البلوى في اللّه ، وصابروا باللّه [ أي : في حق اللّه ] « 1 » ، ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى اللّه . وقيل معناه : اصبروا في اللّه ، وصابروا باللّه ، ورابطوا مع اللّه . وقيل : إنما قال اللّه تعالى في حق أيوب عليه السلام : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً « 2 » ، ولم يقل صبورا ، والصبور أبلغ في معنى الصبر من الصابر ، لأنه لم يمكن جميع أحواله الصبر ، بل كان في بعض أحواله يلتذ بالبلاء ، ويستعذبه ، فلم يكن في تلك الحال صابرا ، لأن الصبر لا يكون إلّا مع المشقة والكراهة . [ فإن قيل : كيف شكى أيوب عليه السلام فقال : مَسَّنِيَ الضُّرُّ « 3 » وقلتم : إن الصبر هو ترك الشكوى من ألم البلوى . فجوابه : أنه ورد في الخبر أن اللّه تعالى كان يعوده في الأسحار « 4 » أيام البلاء بغير واسطة ، ولا قطع مسافة ، فيقول له : حبيبي أيوب ، كيف أنت في بلائي وحلول الأوابى ، فلما شمّ أيوب ، عليه السلام ، رائحة العافية تأوّه حسرة على مفارقة أنس تلك العيادة ، فاستوحش لذلك وشكى . وقيل : إنما قال في شكواه : وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ « 5 » ولم يقل : ارحمني ، حفظا للأدب ، فطلب الرحمة تعريضا لا تصريحا . وقيل : الأحسن للعابد الصبر ، وللمحب ترك الصبر . ولهذا وعد يعقوب ، عليه السلام ، بالصبر بقوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ « 6 » ، ثم لم يحس حتى قال : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ « 7 » . وسئل أبو سليمان « 8 » عن الصبر فقال : واللّه لا نصبر على ما نحب ، فكيف نصبر على ما نكره . وسئل « السّرى » « 9 » عن الصبر ، فأخذ يتكلم فيه فدبت على رجله عقرب فأخذت تضربه مرة بعد مرة وهو ساكن .
--> ( 1 ) ما بينهما سقط من ( د ) . ( 2 ) الآية رقم ( 44 ) من سورة ص . ( 3 ) الآية رقم ( 83 ) من سورة الأنبياء . ( 4 ) في ( د ) ( أسحار ) . ( 5 ) يقية الآية السابقة . ( 6 ) الآية رقم ( 82 ) من سورة يوسف . ( 7 ) الآية رقم ( 84 ) من سورة يوسف . ( 8 ) تقدمت ترجمته . ( 9 ) تقدمت ترجمته